من قرأ العدد الماضي؟
هناك تقليد في بعض المجلات الأدبية بأن تخصص المجلة بابا يسمى "قرأت العدد الماضي". ويكتب الباب عادة من قبل ناقد يكلّف بهذا الأمر والذي يقوم بقراءة العدد والتعليق على ما جاء فيه، ومحاورا ومناقشا كتّابه. ويمكن أن يقوم أكثر من شخص واحد بالكتابة والنقد، إما حول المقالات نفسها أو يتم توزيع المقالات بينهم. والغرض من هذا الباب هو خلق حالة من النقاش حول ما جاء في العدد أو خلق جو عام من النقد الذي يسهم في توليد أفكار جديدة وتحريك ذهنية القارئ.
والشخص الذي قرأ العدد الماضي لم يكن مكلفا بهذا الأمر، وإنما هو شخصية أكاديمية وثقافية معروفة. قبل أسابيع قليلة سمعت نقدا من الدكتور محمد مكّية، واحد من أفضل المعماريين في العالم العربي. وكان حريصا على مناقشة افتتاحية العدد الماضي حول الحج والمناسبات الدينية الأخرى، حيث يجتمع خلق كثير لأداء المراسم الدينية. وهو يعتقد، كمعماري، أن هذه القضية لا تستعصي على الحل، وقام برسم مخططات على الورق. وكنت مدهوشا بحق بهذا الرجل الذي يبلغ من العمر ثمان وثمانين سنة وله خبرة أكثر من نصف قرن في المعمار وتخطيط المدن. وكان غاضبا تماما لأمر أشار إليه بتأثر، وهو الحلول السريعة التي لا تحترم البيئة الاجتماعية والدينية والطبيعية. لقد بيّن كيف يمكن للمعمار الإسلامي أن ينهض وأن يحترم قدسية الأماكن، وقيمتها التاريخية وجمالها الطبيعي.
ثم قام الدكتور مكّية بشن حملة على السياحة ومخاطرها على المدينة الإسلامية. وحذّر السياحة الإسلامية من مخاطر الانزلاق نحو النشرة الدعائية الرخيصة، وطلب منها أن تكون صوتا ناقدا يمكن له أن يولّد تنمية متوازنة للأفكار والأشياء. ودخل الدكتور مكّية في تفاصيل العدد الماضي، من حيث الكتابة والصور، وعلّق على الإصلاحات والتطويرات التي تجري للأماكن الدينية والتاريخية في العالمين العربي والإسلامي وحذّر من الأساليب الرخيصة في البناء والتصميم أو ما يعرف بـ"سقط المتاع". وأنا ممتن للدكتور مكّية على ملاحظاته القيمة، وأرحّب بكل نقد بناء.
وأخيرا، شهد الشهر الماضي صدور أول مجلة سياحية فلسطينية، هي "الأعمدة". إنها مجلة ذات نوعية عالية، وأنا على ثقة أكيدة بأنها ستنفع السياحة الفلسطينية إن شاء الله تعالى، وأتمنى للمجلة والهيئة القائمة عليها كلّ التوفيق والنجاح.
رئيس التحرير |