الرأي الآخر: إعادة النظر في "الاستشراق"
ربما يكون القول صحيحا بأنه: إذا كانت لديك وجهة نظر جذرية (راديكالية)، تجنّب طرحها على المجتمع الأكاديمي، فإنهم سيسعون إلى تقطيع ما سوف تقوله إلى أجزاء وينظرون في كل جملة بالتفصيل ابتغاء دحضها. وإذا لم ينجحوا في ذلك، فإنهم سيحاولون إضعافها.
قد مرت الآن خمس سنوات على وفاة المفكر والناقد إدوارد سعيد، الفلسطيني الأصل والأمريكي الجنسية، كما أنه مضت ثلاثون عاما منذ صدور كتابه الرائد، الذي فتح العيون والأذهان، "الاستشراق". وقد تكون هذه هي أول مرة، على الإطلاق، وجد فيها الشرق صوته ليواجه الغرب بمسؤولياته، من حيث استخدام المفاهيم وطرق التحليل والمراجع، وتمشّيا مع المعايير المقبولة في الغرب.
وكان النقاش، قبل كتاب "الاستشراق"، يتركّز على تناول الإسلام، أو المجتمع العربي، في صورة كتابات جدلية مباشرة، فلم يهتم بشهادات الرحالة، والروائيين والشعراء والرسامين، ومذكرات ضباط الإدارة الاستعمارية. وقد تمكّن سعيد من تغيير هذا الوضع من خلال النظر في علاقات القوى التي تتحكم في وجهة النظر الغربية إلى الشرق، في طائفة كبيرة من المجالات والمصالح.
وقد تقدّم إدوارد سعيد بالنقاش خطوة أبعد في كتابه "الثقافة والأمبريالية" حيث قال إن فهم الأدب في البلدان ذات الماضي الاستعماري، مثل الرواية الإنجليزية في القرن التاسع عشر، لا يمكن أن يتم على وجهه الصحيح دون النظر إلى الحالة التي ساعدت في تحقيق ذلك، أي التجربة الاستعمارية في حد ذاتها.
وشهدت فترة العامين الماضيين صدور سيل من الكتب والمقالات التي تحاول أن تسحب البساط من تحت حجج سعيد ومقولاته، من خلال محاولة التركيز على بعض التفاصيل التاريخية أو اتهاماته العنيفة للمستشرقين. وما يريده هؤلاء النقاد هو محاولة تجنّب النقطة الإساسية التي يدور عليها بحث إدوارد سعيد، ولكنهم، بهذه المحاولة، يساهمون فقط في تعزيز ما يقوله من وجهة أخرى (أو بطريقة سلبية). وإن محاولتهم لتجاهل علاقات القوة الحالية التي تحكم الاتصالات بين الشرق والغرب، بحد ذاتها، ودورهم فيها، يؤيد ما قاله إدوارد سعيد عن تورط هؤلاء الأكاديميين في لعبة القوى هذه.
يقام حاليا في متحف تيت-بريطانيا الفني في لندن معرض كبير تحت عنوان: "إغراء الشرق: المستشرقون البريطانيون"، وهي مناسبة للتأمّل في شهادات هؤلاء الرحالة إلى الشرق الإسلامي لكي يتبين كيف تم تصنيع الصورة النمطية عن الشرق.
وهذه أيضا دعوة لمن شاهد المعرض، أو تعرّف على الشرق من خلال السفر، أن يرسل إلينا بانطباعاته. يرجى الكتابة إلى عنواننا البريدي (islamictourism.com@post). ونحن نرحب دائما بآرائكم وتعليقاتكم.
|