Français       Español           عربي             Deutsch         English   

       الصفحة الرئيسية

View World Tourism Exhibitions

آفاق السياحة الإسلامية
لطبع الصفحة

العدد 15

الإعمار السياحي

بنت الحضارات المتعاقبة عبر التاريخ مواقع ظلت شامخة عبر آلاف السنين، من قلاع وصوامع وكنائس ومساجد وغيرها مما يتماشى مع اعتقاداتها وتصوراتها عن نفسها وعن العالم، وتلبية لما جاءت به معتقداتها وافتخارا بانجازاتها وانتصاراتها.

لم تكن السياحة بمفهومها الحضاري اليوم من جملة الأسباب التي خططت لأجلها هذه المباني في الأزمان الغابرة، وإنما مفهوم السياحة هو مفهوم جديد. وأستطيع أن أجزم بأن برج إيفل الذي يعتبر رمزاً شامخاً لفرنسا لم يكن تصميمه على اعتبارات سياحية، بل ربما كان نصبه لأمور فلكية أو بث إذاعي أو لمصلحة جمالية أخرى تزيد معالم باريس رونقا وجاذبية. وهكذا جميع ما أنشئ من معالم في دول العالم قبل الحرب العالمية الثانية لم يكن لحسابات سياحية، أي أن الهدف منه لم يكن استقطاب السياح من أنحاء المعمورة بل كان لطموحات وطنية وقومية وغير ذلك. والدليل على ذلك أنه لو كانت المباني والمعالم المدنية التي زينت الكثير من المدن الأوربية لغرض استقطاب السياح، لما اشتعلت الحرب العالمية الثانية وخربت المدن وساكنيها وسياحتها.

بعد ما نفضت أوربا غبار حربها وخرجت دولها من قوقعة العزلة حتى ما بين جيرانها، بدأت حركة السفر تدب وبدأت مفاهيم السياحة تبرز وتتطور واقعياً واقتصادياً وعلمياً. ومن هذا المنطلق بدأت المؤسسات السياحية والدول وحتى الشعوب تتحسس أهمية هذه المنطلقات الحضارية والاقتصادية الجديدة، فأخذت تهتم بما خلفت أجيالها من مواقع وآثار وكنائس وإبراز ونشر الثقافة السياحية ما بين شعوبها وزوار دولها.

عندما بدأت زياراتي الصناعية إلى أوربا في أواسط الخمسينات انخرطت في سفرات سياحية أتجول في مدنها وكنائسها ومواقعها الأثرية من غير أن أخطط لذلك حيث زرت العديد من الكنائس ومنها الفاتيكان ودومو ميلانو وصعدت على سطوحها واطلعت على تماثيلها العملاقة، بالإضافة إلى اطلاعي من الأعلى على مدنها، وزرت كذلك سانت بول بلندن ودوم كولون في ألمانيا وغيرها من الكنائس والمقابر مثل مقبرة روما العميقة تحت الأرض ومقبرة نورمندي التي دفن فيها الجنود الذين قتلوا في معركة تحرير فرنسا. وهكذا استغلت أوربا كل معلمة من معالمها لأجل السياحة بغض النظر عن أصولها وانتماءاتها حتى وصلت إلى زيارة الورش الصناعية وفتحت أبواب القصور الملكية لاستقطاب الزوار.

ولم تكتفي أوربا بما لديها من آثار سياحية فأخذت تعد الدراسات والخطط لإقامة مشاريع جبارة مخصصة لاستقطاب السياح من الداخل والخارج لا يسع المجال لإدراجها وأكتفي بذكر واحدة منها وهي ما قامت به بلدية لندن من إنشاء ما يسمى بعين لندن. وهذه العين عبارة عن دولاب هواء كبير تدور فيه غرف زجاجية مقفلة أو يمكن تسميتها (دواليب أو عربات) تدور معلقة في الفضاء لتمكن السائح من مشاهدة كل أطراف مدينة لندن من الأعلى. وهذه المعلمة السياحية وما جاورها من مطاعم وأحواض أسماك (أكواريوم) لم أشاهد من قبل مثيلاً لها من حيث الكم والأنواع والألوان والأحياء البحرية ومعارض الصور في مساحة محدودة تجاور دار بلدية لندن المطلة على نهر التيمس، فقد تجلب هذه العين ما لا يقل عن مائة ألف زائر يومياً حسب تقديري. والدخول إليها يكون بثمن ليس بالقليل، فأي موارد أعطت هذه البقعة المجاورة لدار البلدية ؟

هذا هو الحال في الغرب، فلعل أبرز ما أنتجته السياحة والسفر في أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية، هو وحدتها وتوحيد عملتها. فما هي مقومات السياحة لدينا وما أهمية مقومات إعمارها ضمن خصوصياتنا الحضارية والدينية والتراثية؟

لو ألقينا نظرة سريعة على كيفية نشأة معظم مدننا ذات المعالم البارزة في يومنا هذا لوجدنا أن معظمها بدأت تنهض نتيجة لاحتضان أرضها جسد إمام أو صحابي أو ولي من أولياء الله حيث يقصدهم الزوار من كل حدب وصوب لزيارتهم والتبرك بهم والإقامة حول أضرحتهم. وبذخ سلاطينها وقادتها وميسوريها الأموال في إعمارها وإعمار مقاماتها ومساجدها وغيرها من المرافق الأخرى، مثل المدارس الدينية، تلبيةً لإيمانهم بأهل بيت النبوة والصحابة والأولياء الصالحين عند الله. وكمثال على ذلك النجف وكربلاء والكاظمية والسيدة زينب في دمشق والقاهرة، والمقامات الأخرى وغيرها من المدن، ولا تزال هذه الحركة المتصاعدة من الزوار أو ما نسميها اليوم بـ"السياحة الدينية" في تصاعد مستمر.

من هذا المنطلق أخذت المملكة العربية السعودية توسع المواقع المحيطة بالكعبة المشرفة والمسجد النبوي الشريف. كما إنها اهتمت بكل متطلبات الحج والعمرة التي جعلتها على مدار السنة، وأولت هذا القطاع الاقتصادي الهام كل اهتمامها والكثير من استثماراتها ولا يزال المزيد من كنوز مواقع التراث الإسلامي منذ ظهوره تحتضنها تلك الأرض المباركة، وهي تهم كل مسلم. وهذه المواقع تحوي جوانب من حياة الرسول الأعظم (ص) ما بين أهل بيته وأصحابه البررة حيث إن إعمار مقابرهم إعمار للتراث الإسلامي وقيمه الإيمانية التوحيدية ناهيك عن المردود الاقتصادي الذي يأتي من أعداد الزوار الآتين من بقاع العالم ويعدون بالملايين.

وهذه إيران التي أخذت تخص السياحة الدينية باستثماراتها ولديها اهتمام كبير بالمزارات والمواقع الدينية الأخرى. وزيارة واحدة إلى مدينة مشهد وما وصلت إليه من توسع وعمران وإقبال متزايد من الزوار لهي دليل قاطع بأن الاستثمار في هذه الحقول له خير مردود إن كان على المستوى الاقتصادي أو على صعيد رفع القيم الإنسانية الخيرة لدى المجتمعات المقيمة والزائرة.

 

ماذا عن العراق ؟

لو نجى الله العراق من هذه الفتنة البغيضة وحل السلام في ربوعه لأصبح قبلة السياحة في العالم. وبعد إعمار البنية التحتية في كافة مدنه وسد حاجات الناس الضرورية لا بد من أن تتوجه الاستثمارات الكبيرة إلى متطلبات الثورة السياحية وذلك بإعمار الأضرحة والمزارات والمواقع الأثرية والمدن ووسائل السفر والتنقل وبناء أضخم الفنادق والمطاعم استعداداً لاستقبال ملايين الزوار أو السياح من الدول المجاورة وأركان المعمورة الأخرى وبذلك ستصبح المنطقة كلها خلية نحل تعج بالسياح.

أخيراً إن الاستثمار في إعمار المواقع الدينية ومتطلبات السياحة الدينية والعائلية في بلداننا أضمن وأكثر نفعا وثوابا لدنيانا وآخرتنا إن شاء الله.

إذا خسرت الدول العربية والإسلامية المعركة السياسية فعليها أن تعمل لكسب المعركة السياحية وهي أم المعارك. وهذا ما كان في تصوري عندما أقدمت على إصدار مجلة "السياحة الإسلامية" وتكوين موقعها على الإنترنيت اللذين أصبحا معلمة حضارية يشار إليهما بالتقدير والمديح من قبل كل من اطلع عليهما.

 

والله ولي التوفيق

Copyright © A S Shakiry and TCPH Ltd. 


  Back
 
  
> 1 . نعم ... مج...
> 2 . السياحة ...
> 3 . بين الما...
> 4 . السياحة ...
> 5 . السياحة ...
> 6 . نحو اتحا...
> 7 . هل سيصبح ...
> 8 . السيــاح...
> 9 . الأمن ال...
> 10 . السياحة ...
> 11 . السياحـة...
> 12 . مهرجان ث...
> 13 . الضيافة: ...
> 14 . الأمن ال...
> 15 . الإعمار ...
> 16 . في رحاب ب...
> 17 . الحج وال...
> 18 . كيف تُعم...
> 19 . السياحة ...
> 20 . اللغات و...
> 21 . سياحة ال...
> 22 . أرقامنا ...
> 23 . السياحة ...
> 24 . الثقافة ...
> 25 . مشروع أك...
> 26 . حجاب الس...
> 27 . بغداد مه...
> 28 . الجمعة ع...
> 29 . أهمية ال...
> 30 . المعارض ...
> 31 . الفضاء : ...
> 32 . فضاءات س...
> 33 . الفيزة ا...
> 34 . السياحة ...
> 35 . سياحة ال...
> 36 . السياحة ...
> 37 . السياحة ...
> 38 . زيارة ال...
> 39 . الرمال ك...
> 40 . الرمال ك...
> 41 . الماء شر...
> 42 . لنجعل ال...
> 43 . السياحة ...
> 44 . أي منهما ...
> 45 . دور التخ...
> 46 . ملتقى ال...
> 47 . جذور الح...
> 48 . مسار الم...
> 49 . ذكرى الز...
> 50 . المتاحف،...
> 51 . النظرة ا...
> 52 . جامع قرط...
> 53 . سبل التو...
> 54 . استراتيج...
> 55 . الحج في ا...
> 56 . دبي تنشئ ...
> 57 . كيف نجعل ...
> 58 . أين البل...
> 59 . كيف وأين ...
> 60 . الربيع ا...
> 61 . آليات ال...
> 62 . آليات ال...
> 63 . سياحة نش...
> 64 . العراق م...

 


Founded by Mr. A.S.Shakiry on 2011     -     Published by TCPH, London - U.K
TCPH Ltd
Islamic Tourism
Unit 2B, 2nd Floor
289 Cricklewood Broadway
London NW2 6NX, UK

Copyright © A S Shakiry and TCPH Ltd.
Tel: +44 (0) 20 8452 5244
Fax: +44 (0) 20 8452 5388
post@islamictourism.com