Français       Español           عربي             Deutsch         English   

       الصفحة الرئيسية

View World Tourism Exhibitions

آفاق السياحة الإسلامية
لطبع الصفحة

العدد 43

السياحة والإستثمارات النهرية المجزية

ماء يسافر عبر المسالك والممالك على مر الزمان، يصعد من البحر إلى السماء بخارا، ثم ينزله رب العالمين إلى الارض راوياً عطشها، مخصبا ضفافها ومنبتا ثمارها، وفي السماء ينعش أجواءها ويرسم غيومها، عابراً في الحالتين وبدون تأشيرة قرى ومدنا وحدوداً لدول وأقاليم وقارات، إنها شرايين الحياة، مياه الأنهار العذبة، التي نظم فيها الشعراء أجمل الأشعار،وأطرب بها المطربون أجمل الألحان، كل بلاد بما أنجبت من خيرة مبدعيها ليتغزلوا بما يمر فيها من أنهار، فتنوا بجمال وصفها.
المرحومة أم كلثوم تغنت بنهر النيل "درة مصر" في رائعة الشاعر الكبير أحمد شوقي :
من أي عهد في القرى تتدفق                                                                 وبأي كف في المدائن تغدق
ومن السماء نزلت أم فجرت                                                                من عليا الجنان جداولا تترقرق
على نغمات الموسيقار الرائع رياض السنباطي، هذا الصوت الذي لا زال صداه يتردد في مشاعري كلما مررت على نهر من أنهر العراق، والدول التي عشت فيها و مررت بها، والطموح والسؤال الكبير الذي يجول في ذهني بصفتي عراقي هو: كيف نعمر نهري دجلة والفرات الذي يمتد عمرهما إلى أعماق التاريخ الإنساني وشهدت ضفافها بزوغ أول وأعظم الحضارات التي عرفتها البشرية، كالحضارة السومرية والآشورية والبابلية.
 فمنذ فجر التاريخ، كانت ضفاف نهري الفرات ودجلة، وما بينهما المهد الأساسي لابتكار الزراعة المروية قبل حوالي 12 ألف عام. كما مارست الشعوب المقيمة على ضفافهما صيد الأسماك والنقل النهري والتجارة البينية، وتتابعت الأنشطة البشرية الاقتصادية وبنيت آلاف المدن والقرى عبر آلاف السنين على ضفافهما، بعضها لا يزال قائماً إلى اليوم.
 لقد أضفت الأديان السماوية القدسية على عدد من الأنهار، فنهر الفرات هو من أنهار جنة عدن في الأديان: المندائية، والمسيحية، والإسلامية.
لقد تناولت موضوع المياه والأنهار في كتاباتي السابقة من عدة جوانب، سياحية واقتصادية وبيئية، وحاولت طرح الحلول العملية لمختلف النقاط ذات الصلة، لكني أجد أن هناك الكثير من الآفاق التي لا زالت تنتظر من يتبناها لتخرج إلى حيز الوجود، ولعل جهدي ووقتي الذي أبذله في هذا الصدد يكون سبيلاً ودليلاً لذلك، وأن يعطي ثماره حتى لو طال الزمن؟؟.
وفي هذا المقال نركز على إعمار البنى التحتية لنهري دجلة والفرات، وتأهيلها لتعطي وتجاري مثيلاتها من الأنهار في أوربا والعالم، وهي لا تقل شأنا ومكانةً عنها. وألخصها بما يلي:
السدود والأقفال
1.    بناء السدود للمحافظة والسيطرة على مستوى إرتفاع الأنهر مع الأخذ بالإعتبار أرتفاع وانخفاض منسوب المياه والطاقة الخزنية الممكنة للسد تبعاً لطبوغرافية الأرض.
2.  بناء أقفال (بوابتان يتحكم في فتحها وغلقها تسمح بدخول القوارب والمراكب بينها للإنتقال من منسوب لآخر عبر النهر) وبذلك نسمح لحركة النقل النهري سواء التجاري أو الخاص بالمرور والحركة على امتداد مجرى النهر.
3.  يتم اعتماد تصاميم السدود التي يمكن أن تزود بتوربينات لتوليد الطاقة الكهربائية، وبشكل يسمح باستخدامها كجسور للعبور بين ضفتي النهر ولمختلف أنواع المركبات و/أو سيراً على الأقدام والدراجات الهوائية.
4.  يبنى سكن عائلي للمشمولين عن إدارة مختلف البنى التحتية للأنهر كالسدود والأقفال، وتكون هذه المناطق نواةً لقرى سياحية ومتنزهات يمكن أن تتوسع حسب الإقبال عليها أو الكثافة السكانية في المحيط الذي تقع فيه.
تأهيل الجزر النهرية
تدعى الجزر النهرية في العراق غالباً بالحوائج (جمع حويجة)، وهي تتفاوت في المساحة وتتشكل من التربة التي ينقلها النهر أثناء جريانه خصوصاً في موسم الفيضان. تتميز هذه الجزر بتنوع وكثافة الأشجار والنباتات وبأوراقها الطويلة والرفيعة، كالحور الفراتي، والصفصاف، وعرق السوس، والرز لكونها نباتات لا تنمو إلا في الأماكن التي تتوفر فيها المياه بشكل دائم، كما تتمتع هذه الجزر بوجود مختلف أنواع الحيوانات والطيور. إن تشكّل أعداد كبيرة من هذه الجزر عبر التاريخ وجمال طبيعتها وتنوع أشكال الحياة فيها يجعل منها أماكن مثالية للإستثمار السياحي أو لتكون محميات طبيعية ومتنزهات تستقطب مختلف أنواع الزوار، ولبناء الوحدات السكنية والخدمات المرافقة لها وربطها بجسر أو أكثر مع محيطها الخارجي.
 ولأجل أن يتم ذلك لابد من تأهيلها وحصر ضفافها بحواجز صلبة تحدد ارتفاعها حسب ما مسجل تاريخياً لأعلى منسوب يمكن أن يبلغه النهر، لتحافظ على شكل هذه الجزر وتمكن من رفع مستواها من خلال إضافة المزيد من الطمى أثناء عملية كري الأنهر. وقبل ذلك لابد من عمل خرائط لمجرى النهر لاختيار أفضل هذه الجزر موقعاً ومساحةً وطبيعةً ليتم اعتمادها على ضوء ما تمتلكه من مقومات توسيعها وتطويرها عمرانياً وبيئياً.
ضفاف الانهار
ينبغي تأهيل ضفاف نهري دجلة والفرات لتكون رئة ومتنفس العراق، فصيفه الطويل الحار وضيق منفذه على البحر يحتم ويوجب استغلالها لتكون بالمستوى اللائق في خدمة سكان البلد وزواره. إن وضع خارطة تفصيلية لمسار النهرين هي المرحلة الأولى لإعداد تصور شامل لخطة طويلة الأمد تنفذ على مراحل، تتضمن إعداد التصاميم المقطعيه على امتداد المجرى وتثبيت المسار المطلوب للنهر عن طريق الجدران الحجرية و الأسمنتية وغيرها من المواد الصلبه لتثبيت جوانبه ومنع تسرب وضياع المياه، ومنع النهر من تغيير مجراه، وتفسح المجال لبناء وشق طرق المواصلات المختلفة على جانبي النهر وبالتالي استغلال الأراضي المحيطة به وتزويدها بكل الخدمات الضرورية لتكون كورنيش متميز على النهر، أو مباني سكنية وغير ذلك من استخدامات حضرية.
إن تأهيل ضفاف الأنهار وتأثيثها بما يناسب الغرض المطلوب في الموقع، كالمراسي والضفاف الرملية والمصاطب والإنارة وغيرها، ودمجها في شبكة النقل والمواصلات الخاصة بالبلد، وإعداد الخرائط الإرشادية للسياح بأماكن وطرق المواصلات التي تؤدي إلى مختلف مناطق الجذب النهرية سيكون له مردود كبير في التنمية الإقتصادية الشاملة للبلد وبمختلف القطاعات الإقتصادية.
حفر وتعميق الأنهر وشق المبازل
هي وسائل حماية للنهر وزيادة عمقه بما يسمح بحركة النقل النهري والإستفادة من الطمى المستخرج ذي الجودة والإنتاجية العالية في الزراعة، وفي رفع مستوى الجزر النهرية (الحوائج) كما ذكر أعلاه، والرمال للبناء وإكساء الشواطئ وغيرها، أو لتضييق شواطئ النهر حسب ما هو مخطط له في التصميم، وتقوية ورفع مستوى جانبي النهر لتكون منيعة في أوقات الفيضان، وينبغي أن نهتم بكري النهر كلما دعت الضرورة لذلك.
أما المبازل فهي للمحافظة على نوعية المياه وتجنب ارتفاع مستوى الملوحة في الأنهر وفي الأراضي التي تسقيها. لقد تعرضت الكثر من الأراضي الزراعية الخصبة إلى أضرار جسيمة نتيجة عدم فاعلية شبكة المبازل الموجودة في القطر وتحولت إلى أراضي مالحة، ولذلك ينبغي الشروع بأسرع وقت في تغطية النقص بهذا الجانب.
السياحة النهرية والبيئية إحدى المنتجات العراقية الواعدة
إن تأهيل البنى التحتية النهرية كما ورد في هذا المقال يمُكّن من توفير وازدهار كل مقومات السياحة البيئية والنهرية على ضفاف نهري دجلة والفرات وفي الجزر التي تتخللهما فضلاً عن أهوار العراق، جنة عدن على الأرض حيث الماء والخضرة والوجه الحسن، ويمكن من بناء العديد من المنشآت المعمارية السياحية كالفنادق والمطاعم البيئية المطلة على البحيرات والأنهار، فضلاً عن الوحدات السكنية العادية من الأراضي المستصلحة على جانبي النهر والتي تمتاز بارتفاع ثمن المتر المربع نظراً لموقعها المتميز على النهر. هذه الآفاق الواعدة  ستنعكس بالتالي إيجاباً على كل السكان المحليين و توفر العديد من فرص العمل، وتنشط حركة البيع والشراء والسياحة، وربما تؤسس لصناعة جديدة هي صناعة اليخوت والقوارب التي سيزداد حتماً الإقبال على شرائها أو تأجيرها في ظل وجود بنى ارتكازية متكاملة لخدمة محبي هذا النوع الرائع من السياحة والتنقل.
إذن هذه دعوة لكل من يهمه أمر الانهار والبيئة والسياحة في العراق للإستثمار في البنى الإرتكازية النهرية كثيرة المنافع و المردودية. والى اللقاء في العدد القادم حيث سنتناول إن شاء الله موضوع دور الإستثمارات العالمية في إعمار مشاريع الانهار.
والله ولي التوفيق

Copyright © A S Shakiry and TCPH Ltd. 


  Back
 
  
> 1 . نعم ... مج...
> 2 . السياحة ...
> 3 . بين الما...
> 4 . السياحة ...
> 5 . السياحة ...
> 6 . نحو اتحا...
> 7 . هل سيصبح ...
> 8 . السيــاح...
> 9 . الأمن ال...
> 10 . السياحة ...
> 11 . السياحـة...
> 12 . مهرجان ث...
> 13 . الضيافة: ...
> 14 . الأمن ال...
> 15 . الإعمار ...
> 16 . في رحاب ب...
> 17 . الحج وال...
> 18 . كيف تُعم...
> 19 . السياحة ...
> 20 . اللغات و...
> 21 . سياحة ال...
> 22 . أرقامنا ...
> 23 . السياحة ...
> 24 . الثقافة ...
> 25 . مشروع أك...
> 26 . حجاب الس...
> 27 . بغداد مه...
> 28 . الجمعة ع...
> 29 . أهمية ال...
> 30 . المعارض ...
> 31 . الفضاء : ...
> 32 . فضاءات س...
> 33 . الفيزة ا...
> 34 . السياحة ...
> 35 . سياحة ال...
> 36 . السياحة ...
> 37 . السياحة ...
> 38 . زيارة ال...
> 39 . الرمال ك...
> 40 . الرمال ك...
> 41 . الماء شر...
> 42 . لنجعل ال...
> 43 . السياحة ...
> 44 . أي منهما ...
> 45 . دور التخ...
> 46 . ملتقى ال...
> 47 . جذور الح...
> 48 . مسار الم...
> 49 . ذكرى الز...
> 50 . المتاحف،...
> 51 . النظرة ا...
> 52 . جامع قرط...
> 53 . سبل التو...
> 54 . استراتيج...
> 55 . الحج في ا...
> 56 . دبي تنشئ ...
> 57 . كيف نجعل ...
> 58 . أين البل...
> 59 . كيف وأين ...
> 60 . الربيع ا...
> 61 . آليات ال...
> 62 . آليات ال...
> 63 . سياحة نش...
> 64 . العراق م...

 


Founded by Mr. A.S.Shakiry on 2011     -     Published by TCPH, London - U.K
TCPH Ltd
Islamic Tourism
Unit 2B, 2nd Floor
289 Cricklewood Broadway
London NW2 6NX, UK

Copyright © A S Shakiry and TCPH Ltd.
Tel: +44 (0) 20 8452 5244
Fax: +44 (0) 20 8452 5388
post@islamictourism.com